نماذج من السحر المجازي

 

 

سر الطيور التي كانت تحضر الزيتون إلى قبة المقدس

 

كان الناس يشاهدون في بيت المقدس أول ليلة من آب في كل عام مئات من الطيور تأتي بحبّ الزيتون إلى قبة فوق قبر هناك ,, فتلقي بذلك الحبّ حتى تمتلىء القبة .. وكانوا يعتقدون أن هذه كرامة لذلك الميت الدفون تحت القبة

 

والأمر ليس كذلك ,, وكل ما كان يحدث هو حيلة احتال بها موسيقار مشهور على الطيور لتأتي بحب الزيتون إلى ذلك المكان .. وقد ذكر أبو بكر الرازي هذه القصة والسر الذي يكمن وراءها , وحقيقة الأمر أن موسيقارا مشهورا في ذلك الوقت اسمه ( أرجعيانوس ) كان من أمره أنه اجتاز بصحراء , فوجد فيها فرخا من فراخ " البراصل " والبراصل طائر عطوف , وكان يصفر صفيرا حزينا بخلاف سائر البراصل , وكانت البراصل تأتيه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده , فيأكل بعضها عند حاجته , ويفضل بعضها عن حاجته ..

 

فوقف هذا الموسيقار هناك , وتأمل حال ذلك الفرخ , وعلم أن في صفيره المخالف لصفير البراصيل ضربا من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور , وجاءته بما يأكله , فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير , ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها , وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ذلك الفرخ , لأنها تظن أن هناك فرخا من جنسها , فلما صح له ما أراد أظهر النسك , وعمد إلى هيكل أورشليم , وسأل عن الليلة التي دفن فيها ( الأسطرخس ) الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل , فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب , فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة , ونصبها فوق ذلك الهيكل , وجعل فوق تلك الصورة قبة , وأمرهم بفتحها في أول آب , وكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة , وكانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلىء تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون , والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون  ..

 

 

 

إبراء المرضى

 

يذكر الناس عن كثر من الذين يدعون الصلاح والتقى أنهم شفوا بعض المرضى الذين عجز الأطباء الكبار عن شفائهم ومن ذلك أن الحسين بن منصور الشهير بالحلاج قدم على أهل بلد من بلاد الجبل , فوجد عندهم مريضا أصابه العمى فأذهب بصره , وأصابه الكساح فأقعده عن المشي , فدعا له , ثم تفل عليه من ريقه في كفيه , ثم مسح عينيه فأبصر ومسح رجليه فقام من ساعته يمشي , ثم كُشف هذا , فوجد أنه من دجل الحلاج ..

 

وسر الأمر كما ذكره ابن كثير نقلا عن الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه , وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل , وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد , فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي , ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح , فإذا سعوا في مداواته , قال لهم : يا جماعة الخير , إنه لا ينفعني شيء مما تفعلون , ثم يظهر لهم بعد أيام أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له : إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب , وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني , وصفته كذا وكذا وقال له الحلاج : إني سأقدم عليك في ذلك الوقت ..

 

فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن , فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه , ثم أظهر لهم أنه قد عمي , فمكث حينا على ذلك , ثم أظهر لهم أنه قد زمن , فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء , فقال لهم : يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينفعني شيئا , وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي : إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب , وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني , وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه ..

 

فلما كان في الوقت الذي ذكر لهم , واتفق هو والحلاج عليه , أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض , فدخل المسجد ولزم ساريية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد , فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل  فابتدروا إليه يسلمون عليه ويمسحون به , ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافي فأخبروه بخبره , فقال : صفوه لي فوصفوه له , فقال : هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , وأن شفائي على يديه  اذهبوا بي إليه , فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه , فقال : يا عبد الله إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , ثم ذكر له رؤياه , فرفع الحلاج يديه فدعا له , ثم تفل من ريقه في كفيه , ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط , فأبصر , ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه , فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور , وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده , فضجَّ الناس ضجّة عظيمة , وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور ..

 

ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه , ويودون لو طلب ما عساه أن يطلب من أموالهم , فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا , فقال : أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا , وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا , ولعلّ صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس , ويحجّون ويتصدقون , محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك ,, فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافي : صدق الشيخ , قد ردّ الله عليّ بصري , ومنّ الله عليّ بالعافية , لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله , والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم , ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم , ثمّ إن الحلاّج خرج عنهم , ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة , فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاّج فاقتسما ذلك المال ..

 

ومخاريق الحلاّج هذه وأمثالها فتنت الناس ولا تزال تفتنهم في مختلف العصور , وإنما تروج على العوام وضعاف العقول  والذين يدّعون السحر يعلمون النوعية الذين يروج سحرهم ودجلهم عندها , خاصة إذا أوهم هؤلاء المشعوذون بسطاء الناس بأنهم أُعطوا قدرات خاصة , أو أنّ الجان تطيعهم فيما بعد له من الناس عقول الناس ..

 

 

 

سر الرجل الذي كان يظهر بدار الخلافة

 

يذكر أصحاب التواريخ أنه كان يظهر في دار الخلافة في عهد الخليفة المعتضد بالله في الوقت الذي يخلو فيه الخليفة فيها بنسائه وأهله شخص في يده سيف في أوقات مختلفة , وأكثره في وقت الظهر , فإذا طُلب لم يوجد , ولم يقدر عليه , ولم يوقف له على أثر مع كثرة التفتيش , وقد رآه هو بعينه مرارا فأهمته نفسه , ودعا بالمعزمين فحضروا  وأحضروا معهم رجالا ونساء , زعموا أن فيهم مجانين وأصحاء , فأمر بعض رؤسائهم بالعزيمة , فعزم على رجل منهم  زعم أنه كان صحيحا فجن وتخبط , وهو ينظر إليه , وذكروا له أن هذا غاية الحذق بهذه الصناعة إذ أطاعته الجن في تخبيط الصحيح , وإنما كان ذلك من المعزم بمواطأة منه لذلك الصحيح على أنه متى عزم عليه جن نفسه وخبط , فجاز ذلك على المعتضد , فقامت نفسه منه وكرهه إلا أنه سألهم عن أمر الشخص الذي يظهر في داره فمخرقوا عليه بأشياء علّقوا قلبه بها من غير تحصيل لشيء من أمر ما سألهم عنه , فأمرهم بالانصراف , وأمر لكل واحد منهم ممن حضر بخمسة دراهم .. ثم تحرز المعتضد بغاية ما أمكنه , وأمر بالاستيثاق من سور الدار حيث لا يمكن فيه حيلة من تسلق ونخوه , وبطحت في أعلى السور خواب لئلا يحتال بإلقاء المعاليق التي يحتال بها اللصوص , ثم لم يوقف لذلك الشخص على خبر إلا ظهوره له الوقت بعد الوقت إلى أن توفي المعتضد ..

 

ولم يوقف على حقيقة هذا الأمر إلا في أيام المقتدر , وأن ذلك الشخص كان خادما يسمى ( يقق ) وكان يميل إلى بعض الجواري اللاتي في داخل دور الحرم , وكان قد اتخذ لحى هلى ألوان مختلفة .. زكان إذا لبس بعض تلك اللحى لا يشك من رآه أنها لحيته , وكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها , ويظهر في ذلك الموضع , وفي يده سيف أو غيره من السلاح حيث يقع نظر المعتضد , فإذا طلب دخل بين الشجر الذي في البستان أو في بعض تلك الممرات أو العطفات , فإذا غاب عن ابصار طالبيه نزع اللحية وجعلها في كمه أو حزته , ويبقى السلاح معه كأنه بعض الخدم الطالبين للشخص ولا يرتابون به , ويسألونه هل رأيت في هذه الناحية أحدا فإنا قد رأيناه صار إليها فيقول ما رأيت أحدا

 

وكان إذا وقع مثل هذا الفزع في الدار خرجت الجواري من داخل الدور إلى هذا الموضع , فيرى هو تلك الجارية ويخاطبها بما يريد , وإنما كان غرضه مشاهدة الجارية وكلامها , فلم يزل دأبه إلى أيام المقتدر , ثم خرج إلى البلدان وصار إلى طرسوس , وأقام بها إلى أن مات , وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ووقف على احتياله ..

 

فهذا خادم قد احتال بمثل هذه الحيلة الخفية التي لم يهتد لها أحد مع شدة عناية المعتضد به , وأعياه معرفتها والوقوف عليها , ولم تكن صناعته الحيل والمخاريق , فما ظنك بمن قد جعل هذا صناعة ومعاشا  !!

 

 

 

حيلة إحياء الموتى

 

بعض الحيل التي تثير عجب الناس حيلة إحياء الموتى , ويعتمد الساحر فيها على استخدام ما توصل إليه العلم في هذا المجال .. فمن ذلك أن المشعوذ يأخذ حمامة مثلا ويلوي رقبتها بيده , حتى يبدو أنها ماتت , ثم يرميها على الناس , فيتألم المشاهدون من هذه القسوة , ثم يطلبها منهم مرة أخرى ليحييها " بزعمه " فيضعها في ورق , ثم يضرب فوق الورق , فتقوم الحمامة من الموت , وتطير إلى جهة المشاهدين الذين يقفون على شكل حلقة مستديرة

 

والسر في هذا أن المشعوذ قبل أن يمسك بالحمامة , كانت يده فيها سائل من مادة البنج , فيمسك بالحمامة ويوهم الناس أنه يلوي رقبتها , وهو في الحقيقة مشتغل بتشميم الحمامة البنج الذي في يده , فتفقد الحمامة شعورها  فيظن الناس أنها ماتت خنقا , ويضربها بعد ذلك , فتفيق من البنج فتطير , وإذا عُرف السبب بطل العجب كما يقولون ..

 

وهذا ليس غريبا , فإن الطبيب يجري الكبرى من عمليات الجراحة والمريض يرقد أمامه كالميت من تأثير البنج , ومن رآه قبل إجراء العملية يظنه ميتا ..

 

 

 

حيلة إشعال الساحر السكر من غير نار

 

من الحيل التي يعتمد فيها الساحر على العلم إتيان المشعوذ بطبق فيه سكر يريه للمشاهدين , ويطلب منهم أن يذوقوا منه حتى يتأكدوا أنه سكر , ثم يشبر إلى الطبق بعصا في يده فيشتعل السكر نارا ويتصاعد منه اللهب ..

 

والسر في هذا أن ( في الطبق جزئين متساويين من السكر ومن مادة " كلورات البوتاسيوم " وهي مادة كيماوية بيضاء تشبه السكر ) وأما العصا التي استخدمها المشعوذ , فمغموس طرفها في حمض ( الكبريتيك ) فعندما يشير بهذه العصا وتلمس المخلوط من هذه المادة الكيماوية يتّقِد الطبق نارا , أما عن إذاقته السكر للمشاهدين فيكون من الجانب الذي فيه السكر من الطبق وذلك بخفة اليد والسرعة والتعمية على المشاهدين ..

 

 

 

حيلة إدخال الدخان إلى داخل إناء مغلق

 

يقوم المشعوذ بنفخ الدخان إلى داخل كوب مغطاة دون أن يصل إليها المشعوذ

والسر في هذا أن الساحر يكون قد غسل داخل كوب الزجاج بمادة ( روح الملح ) ثم يأتي بطبق يدهن قاعه بسائل

( النوشادر ) , ويوضع الطبق بوضعه العادي على كوب الزجاج ويغطي بمنديل , ثم يقف المشعوذ من بعيد , ويشعل سيجارة وينفخ دخانا نحو الكوب المغطاة , ليوهم المشاهدين أنه سيملأ الكوب بالدخان ..

 

والواقع أنه حدث تفاعل كيماوي بين مادتي روح الملح وسائل ( النوشادر ) فامتلأ الكوب بالدخان ..

 

 

 

تغيير المشعوذ وجه إنسان من البياض إلى السواد

 

السر الكامن وراء هذه اللعبة أن المشعوذ قبل أن يخرج إلى المشاهدين يقوم بدهان وجهه بمادة ( أكسيد البزموت ) فتعطي هذه المادة للوجه رونقا جميلا وهي مادة تستخدمها بعض السيدات في الزينة , ثم يضع المشعوذ أمام المشاهدين إناء مليئا بالماء الممزوج بمادة ( الهيدروجين ) ثم يدعي أنه يشمّ ذلك الماء , فيتحول وجهه فجأة من البياض إلى السواد , وذلك نتيجة التفاعل الكيماوي بين المادتين اللتين في الوجه وماء الإناء ..

 

 

 

السائل والألوان المتعددة

 

يقوم المشعوذ بطبخ أوراق من الكرنب , ثم يأخذ ماءه الذي يكون لونه أصبح أحمر في هذه الحالة , وبعد أن تذهب حرارة الماء تماما يجيء بثلاثة أوان , يضع في أحدها بعض النقط من مادة ( الأمونيا ) , وفي الثانية نقطة من حمض الكبريتيك , ويترك الثالث فلا يضع فيه شيئا من المواد , ثم يصّب في الإناء الأول قليلا من سائل الكرنب فلا يتغير اللون ثم يصب في الثاني فيصير لونه أخضر وهو في هذا متأثر بمادة الأمونيا , ثم يصب في الثالث فيصير لونه أحمر وكل ذلك نتيجة التفاعل الكيماوي ..